اثر ذلک، أبلغنا السيد الصدر في ذلک اليوم أنه سيتم تعميم أربعين طالباً هذا العام، وبدأ يختار التلاميذ ويعطيهم الحق في البدء بالمناظرة، لکن السيد الصدر جعل السيد حسن آخر المتکلمين، فأخذ لون وجه السيد بالاحمرار تارة وبالاخضرار طوراً آخر, مستغربا أمر ترکه حتى النهاية حيث منحه حق الکلام - والکل يعلم مواهب السيد في الخطابة التي يعد لها بعد جهد وسهر طويل- وعندما فرغ السيد من خطبته تقدم منه السيد محمد باقر حاملاً العمامة ليضعها على رأسه (وهذا ما لم يفعله مع أحد غيره) وقال له: (إنک لعلى شأن عظيم، إني أشم فيک رائحة القيادة وإنک من أنصار المهدي) ثم وضع له العمامة على رأسه، لقد أثّرت في نفسي تلک الکلمات وهذه الحادثة التي کان ولدي السيد حسن قد أخفاها عني کما أنني أعلم بأنه ما کان ليخبرني بها لشدة تواضعه.
* متى تزوج سماحة السيد حسن؟
- عندما جاء السيد من العراق، کان من الصعب جدا أن يسکن معنا في بيتنا في برج حمود (بسبب الظروف السياسية التي کانت سائدة آن ذاک) وقد رأى أن من الواجب أن يتزوج وکان في التاسعة عشر من عمره لکنّ حالنا لم تکن مرتاحة وقتها، من جهة ولم أکن متحمساً لفکرة أن يتزوج وهو في التاسعة عشر من عمره من جهة ثانية، لکنّ العلامة السيد محمد حسين فضل الله -رحمة الله عليه- والذي کان متوجها معنا إلى منزل الحاجة لعقد القران قال لي: يا سيد، ابنکم السيد حسن عمره الزمني تسعة عشر عاما لکن عمره العقلي هو خمس وثلاثون عاما وهو ليس قادراً على تحمل مسؤولية زوجة وأولاد فحسب إنه أهل لأن يحمل مسؤولية بلد أکبر من لبنان، توجهنا إلى منزل العروس وعقدنا القران ثم تقررا أن يسکنا في مدينة بعلبک، اشترينا غرفة الصالة (وکانت مستعملة يومها) وقمنا بصنع مکتبة ومکث السيد مع عائلته هناک عامين ثم انتقلا إلى منطقة الاوزاعي جنوبي بيروت.
* برأيکم ما هي الأمور التي أدت إلى أن يصبح السيد حسن نصر الله رمزاً لکل أحرار العالم وقدوة يحاول الشبان الاقتداء بها؟
- التربية التي تلقاها السيد حسن، کما أن رفاقه (قل لي من تعاشر أقل لک من أنت), کان لهما اثر في ذلک، فهو لم يعاشر أصدقاء سوء ولا أذکر أنه ذهب يوماً إلى السينما أو نزهات مشابهة، السيد في الثامنة أو العاشرة کان يميل إلى اللهو واللعب, وفي نشأته کان يحب العلم والعلماء والأدباء والشعراء وکان يستأنس بالکتب ويبحث عنها، يقرأها لا يترک الکتاب من يديه حتى ينهيه وعندما يفرغ منه تجده قد حفظه عن ظهر قلب لقد کان أشبه بالحاسوب في حفظ المعلومات.
ويروي لنا والدي أنه زار السيد في العراق يوماً وکان شديد التعب فقد کانت هذه الرحلات تسيّر براً وقد کان جائعاً جداً, فمنّى نفسه بغذاء لذيذ، يسدّ به جوعه وينسيه مشقة الطريق، لکن السيد حسن نهض ليطهو له الطعام, وجدّه يتساءل عما قام لطهوه، ليفاجأ بطبق من البازيلاء بلا لحم والى جانبه صحن من الأرز، وعندما سأله جده عن سبب خلو طبخه من اللحم شرح له السيد أن طلاب العلم يحصلون على اللحم بعد وقفة تتجاوز الساعة بانتظار دورهم وأنا (أي السيد حسن) أفضل أن أقرأ وأحفظ کتابا في غضون هذه الساعة على أن أضيعها في أي عمل آخر.
* في بدايات انتساب السيد إلى المقاومة الإسلامية ألم يراودکم خوف من فکرة استشهاده، ولا تزعجکم الترتيبات الأمنية التي يحاط بها ومحاولات العدو المتکررة لاستهدافه؟
- أبدا، کل أولادي في المقاومة الإسلامية وبعضهم جُرح ومع ذلک لا أخاف عليهم، في الحقيقة لقد خفت على السيد مرة واحدة فقط عندما تهجرنا من بلدنا إلى برج حمود وتصادف في ذلک الحين قدوم السيد من العراق (وکان في التاسعة عشرة من عمره مرتديا ملابس العلماء) وقد توجه نحو المنزل سالکا طريق المتحف والمنطقة کانت بين الأرمن والمسيحيين الذين أخذوا يرمقونه مستغربين ملابسه حائرين بديانته، جلس بيننا في المنزل قرابة الساعة ونصف الساعة وقد کنت متوتراً إلى درجة أنني کنت ارغب بان يغادر البيت في أقرب وقت ممکن (حفاظاً على سلامته) لم أستطع الخروج معه من البيت لأن عقولهم ستبدأ بتأويل سبب زيارته وهم الذين کانوا يجهلون عني أي شيء فقد کان المسلمون يُذبحون على الهوية (أي لمجرد أنهم مسلمون)، ودعته وأرشدته إلى طريق العودة وظل قلبي معه حتى وصل إلى المنطقة الغربية (بيروت الغربية) واطمأننت عليه.
* کم مرة تزورون سماحة السيد حسن نصر الله في الشهر؟
- (ضاحکاً) لا تسألني کم مرة تراه کل شهر, بل سلني کم مرة تراه في السنة، في الحقيقة أنا أقوم بتأريخ هذه المناسبة حيث أکتب: التقيت بولدي السيد حسن بتاريخ... علنا في يوم من الأيام نحتسب عدد هذه الزيارات، آخر مرة التقيته فيها کانت خلال شهر رمضان الفائت (قبل 11 شهراً) وأنا قليل الحرکة أمني النفس بلقائه إنشاء الله، لکن ما يشعرني بوجوده وبالراحة هو زيارات أبنائه وعائلته المتکررة لنا فهم يبثون فينا الروح کلما رأيناهم بيننا کما أننا نستطلع أخباره دوماً.
* أولا تأذيکم هذه المسألة: صعوبة التواصل مع ولدکم؟
- في الحقيقة لا تؤذيني هذه المسألة فأنا فعلا لا أنسى الزيارة التي قمت بها العام الفائت حتى العام القادم فهو في القلب دائما وصورته ليست فقط على کل جدران المنزل أنها في داخلنا محفورة في أعماقنا، صدقاً إنني أراه في أولاده في جواد والجميع، في أحفاده.
* في أجواء حرب تموز هناک سؤال يستحضرنا، أين کنتم أثناء عدوان تموز2006؟
ج: لقد کنا في قريتنا حين اتصل بي أحد أبنائي يبارک لنا أسر جنديين إسرائيليين، ثم نصحنا بالابتعاد عن المنزل، خرجنا من منزلنا إلى منزل أختي على أطراف البلدة حيث قضينا نحو ثمانية أيام، توجهنا بعدها - بعد أن استخرنا الله- مؤمنين بأن لن يصيبنا إلا ما کتب الله لنا نحو صيدا وهناک کانت الحياة شبه عادية فقضينا أيام العدوان في منزل الشيخ نزيه سبحاني حتى آخر يوم من أيام الحرب، حيث عدنا إلى منازلنا ووجدنا کل شيء على حاله والحمد لله.